التحول من الدولة الراشدة إلى الدولة السلطوية
قراءة في الجذور السياسية والفقهية للمشروع الأموي
أولاً: الانقلاب على فكرة الدولة الراشدة
منذ أن خرج معاوية بن أبي سفيان على سلطة الدولة الراشدة بحجة الثأر أو القصاص لدم سيدنا عثمان بن عفان، شهد التاريخ الإسلامي تحولاً جذرياً؛ حيث ماتت فكرة "الدولة الراشدة" لصالح "الدولة السياسية". هذه الدولة الجديدة غابت فيها قواعد العدل والحق لصالح السلطة والطغيان، واندثرت فيها قيم الشورى والرحمة، ليحل محلها منطق الدم والرعب. وبموجب هذا التحول، أصبح المسلمون شيئاً يورث ويدجن ويقاد، بعد أن كانوا شركاء أصيلين في اتخاذ القرار.
ثانياً: التناقض بين القيم القرآنية والممارسة الأموية
كان المشروع الأموي يمثل امتداداً لكل ما جاء الإسلام لينكره، ويمكن رصد هذا التباعد من خلال المقارنة بين الآيات القرآنية والواقع السياسي آنذاك:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾غابت الرحمة مقابل القسوة والسلطة والطغيان، وأصبح الحجاج وأمثاله هم رجال المرحلة.
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾غاب القول اللين لصالح سياسات الدم والقتل والصلب.
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾غاب نموذج "عباد الرحمن" لصالح هيمنة رجال العسس والسيف والسم.
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾استبدل هذا المبدأ بمنطق "ادفع بالسم والسيف والصلب".
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِتقْوَىٰ﴾غاب العدل وحل محله الجور والقرابة وعصبية الملك.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾أصبح المنكر والبغي دستوراً لبني أمية، يمارسونه دون خجل.
ثالثاً: تأليه السلطة والإرهاب السياسي
بدلاً من خضوع الحاكم للقيم الإنسانية والشورى، استبدل الأمويون ذلك بـ "تأليه السلطة". فبينما يأمر القرآن بالعدل، كانت سياسة "تثبيت العرش" تبرر التصفية الجسدية للمعارضين، مما جعل "سيف الدولة" يسبق "عدل القرآن".
واتسمت الولاية الأموية (في أغلب فتراتها) بـ "الإرهاب السياسي". ولاتهم -كالحجاج وزياد بن أبيه- شرعوا سياسة "أخذ البريء بالسقيم" و"المقبل بالمدبر"، وهي ممارسات تهدم أصل العدالة القرآنية الواردة في قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.
رابعاً: الأثر التاريخي والفقهي
كانت هذه الأسرة سبباً في انقسام طائفي عميق لم ينتهِ إلى اليوم، بل أصبح منهجهم هو النموذج الذي يحتذيه كل الطغاة عبر العصور. لم يكتفِ النظام بالظلم، بل كرس له كأساس لحفظ الدول، من خلال الترويج لفكرة أن الحاكم "فرض إلهي" لا يمكن لومه أو انتقاده، حتى لو تسبب في سفك دماء الصحابة أو استباحة المدينة المنورة.
وعلاوة على ذلك، أنشأوا من الفقه ما جعل الأصل هو الظلم والخنوع؛ حتى جريمة "الحرابة" أسماها فقهاء السلطان "الفتنة الكبرى"، وكأن دماء الصحابة يجوز أن تكون محل اجتهاد وسوء تقدير.
خلاصة القول
كل هذا المسار كان من أجل السلطة التي تم تمريرها ليزيد بن معاوية. ولو كان القصد الحقيقي هو دم عثمان رضي الله عنه، ما سعى معاوية جاهداً لتقنين السلطة وحصرها في نسله من بعده.

Comments